العراق لا يحتاج إلى زعيم « فقير»

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
01/04/2009 06:00 AM
GMT



تصوروا أن زعيم العراق الجديد السيد نوري المالكي، أعلن الأسبوع الماضي أنه لا يمتلك سوى 427 ألف دولار من أموال نقدية وممتلكات عينية، هي كل ما حصل عليه قبل وبعد تعيينه في هذا المنصب قبل ثلاثة أعوام ونصف. وهذا ما يعني أن رئيس الوزراء لا يمتلك قيمة واحدة من السيارات الأميركية المصفحة التي يستقلها حرّاس موظفيه الصغار، وهو مبلغ يعادل -بالكاد- سعر بيت عادي في بغداد يسكنه أستاذ جامعي أو مدير متوسط الحال في إحدى دوائر الدولة.
تقرير هيئة النزاهة العراقية الذي كشف لنا الأمر لم يذكر لنا بالطبع ما يملكه أبناء المالكي وبناته وأصهاره، لكن رئيس الحكومة العراقية، يريد أن يثبت لنا أنه «فقير» يعيش بمستوى عادي تقريبا.
كل هذه الاستعراضات سببها تصور تقليدي لم يحظ بالمعالجة الكافية في تاريخ العراق والمنطقة، وهو افتراض أن الزعيم الفقير المتحدر من حي شعبي، هو الرجل الأكثر إخلاصا للوطن.. في العراق لايزال الناس يتحدثون عن عبدالكريم قاسم قائد الانقلاب على العهد الملكي العام 1958، بوصفه زعيما فقيرا قتله البعثيون بعد 5 أعوام ولم يكن في رصيده سوى بضعة دنانير.
يتغاضى هذا التصور عن حقيقة أن أزهى عصور العراق كان حقبة الباشوات والأعيان الأثرياء حد البذخ السلطاني، الذين امتلكوا ثقة بأنفسهم وأتقنوا التسويات الهادئة، وأحبوا تطوير المدنيّة وشجعوا الفنون والصناعة ودعموا طبقة المتعلمين ولم يشعروا يوما بنقص أمام مهندس أو شاعر. ونحن نشير هنا إلى نهضة جميلة تحققت قبل العام 1958 يوم كان العراق بلا عوائد نفط كالتي توفرت في السبعينيات. ومن سوء حظنا وقعت تلك المليارات بين يدي ساسة شبه أميين وضباط صغار بلا تعليم يتحدرون من أصول اجتماعية متواضعة، فما كان منهم إلا أن استغلوا الريع لبناء حكم دكتاتوري أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم، وبدلا من تشجيع العلماء، راحوا يجمعون أبناء الفقراء من المدارس لينظموهم في جيوش وأجهزة أمن تضطهد الشعب الفقير أيضا.
هذا الدرس التاريخي لم يستطع إقناع الجمهور بأن الزعيم "الفقير" لن يكون بالضرورة مخلصا للفقراء. ويمكن أن نلتمس العذر لجمهور ليس لديه وقت لمراجعة التاريخ، لكنني أتمنى أن يسارع طاقم المستشارين الواسع في مجلس وزراء العراق، لتنبيه المالكي إلى أن البلد لا يحتاج زعيما فقيرا.
طلب صدام حسين من وزير الإعلام في حادثة شهيرة، أن ينشر إعلانا عن فقدان «البطاقة التموينية» لنجله عدي راجيا إعادتها إلى القصر الجمهوري، لأن «ابن القائد» بات بلا حصة تموينية (سكر وسمن ورز). وكان المالكي المعارض لصدام يومذاك يسخر مثلنا، من تلك الحادثة، لكنه سيبدأ اليوم بمحاكاة الدكتاتور السابق وتصنّع الفقر.
وبدلا عن هذا الاصطناع المتكلف يمكن لطاقم مستشاري المالكي (المدللين للغاية بمخصصات تقارب رواتب قادة الاتحاد الأوروبي حسب وصف برلماني عراقي)، أن يقنعه بأن الجمهور لا يطلب معرفة الرصيد المصرفي للزعيم، بل يتطلب الأمر كشف ملفين أو ثلاثة من قضايا الفساد التي تورط فيها بعض قادة حزب الدعوة المقربين من المالكي الذين باتوا معروفين للغاية في مكاتب دبي العقارية بعد أن كانوا بسطاء مثلي ومثل معظم العراقيين.
يمكن أن يضحي المالكي بمسؤول متوسط الحجم أو اثنين، كي يكسب المزيد من الدعم في الانتخابات المقبلة ويحدّ قليلا من «شهوة الفساد» التي تعترف الحكومة بأنها تشمل 90 بالمئة من صفقات الدولة العراقية. كما في وسعه أن يقترح تقليص مخصصات مجلسي الوزراء والرئاسة التي تجاوزت العام 2007 مبلغ 350 مليون دولار، بدلا عن تقشف مهول يجتاح الوزارات الخدمية اليوم. تقول بلدية البصرة مثلا إنها ألغت عقود 3 آلاف عامل نظافة بسبب الأزمة العالمية، في وقت يحتار كبار المسؤولين بكيفية تبذير مخصصات مكاتبهم، وذكر لي موظف رفيع أن ابراهيم الجعفري كان يتسلم 13 مليون دولار كمخصصات سنوية لمنصبه كنائب رئيس الجمهورية قبل عام 2005.
ما يحتاج المالكي أن يعرفه، هو أن البلاد كانت تحب الباشوات الأغنياء، لأنهم كرماء عهد ما قبل النفط. والشعب (كل شعب) لن يحب زعيما يجمع الفقر والبخل وانعدام الخبرة الإدارية، متذرعا بأنه لم يألف التعامل مع مليارات النفط، وقد سمعت هذه الذريعة من وزير المالية باقر جبر الزبيدي خلال لقاء شخصي قبل 3 أعوام حين كان يفسر عودة نحو 30 مليار دولار إلى وزارة المالية، حيث أخفق الوزراء في إنفاق 50 في المئة من الموازنة العامة، بسبب فشل إداري أو «خوف من المال».
أخشى ما أخشاه أن يتسابق المسؤولون العراقيون خلال الفترة المقبلة، إلى إثبات «فقرهم» لنكتشف أن جميع زعماء البلد النفطي "معوزون ومعدمون" فيدخل الخطاب السياسي العراقي مرحلة أخطر بكثير مما بلغه خلال النزاع الأهلي، ويجبر الشعب على تصديق «الزهد الديمقراطي» بديلا عن «الزهد البعثي» الذي كلفنا 35 عاما من الخراب.